أبي طالب المكي

12

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

للعبد ما فرغ منه العبد وهو الذي فرغ له منه لما سبق له به ، فإن تملَّك سوى هذا وادّعاه لأجل أنه في خزانته ، أو قبض يده فذلك لجهله بالله تعالى وقلة فقهه عن الله سبحانه وغفلته عن حكمة الله تعالى في أرضه ، يودعها من يشاء إلى الوقت الذي يشاء ، حتى يستقرّ إلى كيف يشاء . فقد قال تعالى : * ( فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ) * [ الأنعام : 98 ] . وقال : * ( لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ) * [ الأنعام : 67 ] . وقال سبحانه : * ( ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * [ الأنعام : 7 ] . وهكذا روينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم أن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله . وقال صلى الله عليه وسلم : وإن لكل عبد رزقا هو آتيه لا محالة . فمن قنع به ورضي بورك له فيه ، ومن لم يقنع به ولم يرض لم يبارك له فيه ولم يسعه . ويقال : « لو هرب العبد من رزقه كما لو هرب من الموت لأدركه » . وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس : إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الخلائق لو جهدوا أن ينفعوك بما لم يكتبه الله لك ما قدروا على ذلك ، ولو جهدوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله سبحانه لك لم يقدروا على ذلك ، طويت الصحف وجفّت الأقلام . فمن كانت هذه مشاهدته في القسم المعلوم سقط عنه جملة من الهموم واستراح من النظر إلى الخلق واستراح الخلق ، من أذاه ، وشغل عنهم بخدمة مولاه . وكان قد فهم شيئا من الخطاب ، وممّن أقبل على الله الكريم بصالح ما دعاه إليه واستجاب . كما روي أن رجلا لزم باب عمر بن الخطاب رضي الله عنه كل غداة فشهد عمر منه مجيئه لأجل الطلب فقال له : يا هذا هاجرت إلى عمر ، أو إلى الله ، اذهب فتعلَّم القرآن ، فإنه سيغنيك عن باب عمر . فذهب الرجل فغاب زمانا حتى افتقده عمر ، فسأل عنه فدلّ عليه فأتاه ، فإذا هو قد اعتزل الناس وأقبل على العبادة فقال له عمر : إني قد افتقدتك حتى اشتقت إليك ، فما الذي شغلك عنا ؟ فقال : إني قد قرأت القرآن فأغناني عن عمر وعن آل عمر . فقال له عمر : رحمك الله فما الذي وجدت فيه ؟ فقال : وجدت فيه وفي السماء رزقكم وما توعدون فقلت : رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض . فبكى عمر . وكانت موعظة له منه . فكان عمر بعد ذلك يشابه في الأحايين فيجلس إليه ويستمع منه . وجاء رجل إلى بشر بن الحارث فقال : إني قد عزمت على سفر إلى الشام وليس عندي زاد فما ترى ؟ فقال : يا هذا أخرج فيما قصدت له ، فإن لم يعطك ما ليس لك لم يمنعك ما لك . وشكا رجل إلى فضيل حاله فقال يا هذا مدبّر غير الله تريد ؟ وكان الحسن يقول : التوكَّل هو الرضا . وفي تفسير قوله عزّ وجلّ : * ( وقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها ) * [ فصلت : 10 ] قال : خلق الأرزاق قبل الأجسام بألفي عام فالمتوكَّل لا يطالب مولاه برزق غد كما لا يطالبه